حسن الأمين
128
مستدركات أعيان الشيعة
إرهابا للفاطميين الذين كانت قوتهم البحرية في هذه الفترة ضعيفة وموزعة ، خاصة بعد الخسائر الأخيرة . وهكذا خرب أسطوله ميناء صفاقس ، ونفذ إلى طرابلس لنفس المهمة ثم انصرف عنها لأسباب خاصة ، لكنه بقي يمارس نشاطا بحريا واسعا ، وحركة قرصنة ضد سواحل الفاطميين حتى حلت به الهزيمة ، وأخذت معظم قطعة غنيمة خالصة للفاطميين ، وعندئذ بدا نجم ابن قرهب في الأفول ، وأمره في التراجع والخمول ، وتنكر له سكان الجزيرة قبل غيرهم ، لأنهم إذا كانوا قد خشوا بأسه لظفره في الحرب في قلورية ، وضد إفريقية فإنهم الآن بعد انكساره ، وضياع أسطوله أصبحوا يفكرون في وسيلة للتقرب من المهدي ، والتخلص منه ، وتحميله مسؤولية ما حصل في الجزيرة وتصدرت مدينة جرجنت ، وهي التي سوف تبقى قلعة ثورية ضد الولاة - حركة العصيان ضده ، وربطت صلاتها بالمهدي ، وأعلنت ولاءها واقتدى بها سائر سكان المدن الأخرى ، خوفا من عاقبة الاستمرار في الانفصال والثورة ضد الفاطميين . وفي غمرة الفتن بين أنصار ابن قرهب ، الذي رغب في مغادرة الجزيرة ومعارضيه ، تغلب الأخيرون وتحفظوا عليه وعلى ابنه علي وقاضيه ابن الخامي ، وعلى بعض خاصته ، وأرسلوهم مقيدين إلى سوسة ، رجاء في العفو ، وطلبوا عاملا وقاضيا ورفضوا استقبال الجند ، وتظاهروا بالاستغناء عن المعونات المالية من الدولة . وكان رد المهدي - على سكان صقلية ، كفئا لتقلب أهوائهم وشغبهم واستعدادهم للعصيان في كل حين ، حيث رماهم بحشد من كتامة وشيوخها وبقائد حازم هو أبو سعيد موسى بن أحمد الضيف . وبوصول هذا القائد ، إلى صقلية اشتعلت نار الثورة في طرابنش وجرجنتي ، وبالرم ، وسائر مدن صقلية ، وأصبح الموقف خطيرا ، إذ استعصى السكان وتمنعوا عليه ، بعد حصار عدة أشهر اضطر الثوار للاستسلام ولم يضعفوا حتى اشتدت الضغوط عليهم من كل جانب ، وكثرت حشود كتامة ، وتقاطرت نجدات المهدي على قائد الحصار ، فرجع موسى بن أحمد الضيف إلى رقادة بعد أن ترك حامية كتامة ومستخلفا عنه في الجزيرة ، وهو سالم بن أبي راشد ، الذي عين أثر ذلك عاملا رسميا من طرف المهدي . وأهمية سالم بن أبي راشد ، في صقلية تظهر فيما مارسه من نشاط ثغري في جنوب إيطاليا ، وفي مساعدته للبعوث البحرية التي ألحت على هذا الإقليم منذ سنة 305 ه / 917 - 918 م فقد تمكن مسعود الفتي سنة 310 ه / 922 - 923 م من القيام بغزو بحري ناجح افتتح أثناءه مدينة أغاثي SantaAFati وغنم منها غنائم ثم انصرف إلى المهدية ( 220 ) ، وتلاه جعفر بن عبيد الحاجب ففتح مدينة واري ( Aria ) بعد معركة حاسمة جرت سنة 313 ه / 923 - 926 م وقتل أثناءها خلق كثيرة ، كما غنم غنائم ، وأخذ سبايا ، وأسر بطريق المدينة ، الذي افتدى نفسه ، بخمسة آلاف مثقال . ويبدو أن الهدوء النسبي الذي عرفته الجزيرة حتى سنة 313 ه ، والتوفيق الذي حصل عليه قادة الحملات الثغرية هو الذي دفعه إلى القيام بحركة توسعية كبرى في إقليم أنكربدة ( 1 ) وخليج تارنتو ، تمكن أثناءها من فتح عدة مراكز وقلاع ، ومن إقرار الوضع في قلورية CalabriA التي أصبحت مركزا للراحة إلى ما يليها من مراكز الروم في جنوب إيطاليا ، وأكمل مهمته بعد انسحابه إلى بالرم ، صابر الفتى الذي ابتدأ منذ سنة 315 ه / 927 - 928 م ، سلسلة من الحملات البحرية ، ضد مراكز الروم ، فغنم غنائم كثيرة ، وفتح مدنا ، وقلاعا ، وشدد الحصار على سلير ( سالونر ) وعلى نابل ( نابلي ) ولم ينصرف عنهما 316 ه / 928 - 929 م إلا بعد صلح طلبه سكانهما مقابل أموال وأمتعة نفيسة ، وبعد أن استراح الجند ، قام بفتح مدينة ترموله 317 ه 929 - 930 م بعد هزيمة أنزلها بالسردغوس Serguis قائد البحرية المعادية ، وأثر ذلك رجع إلى المهدية . فواصل النشاط الثغري بعده ، سالم بن أبي راشد ، ثم يعقوب بن إسحاق ، الذي كلف في بداية عصر القائم بأمر الله بمواصلة النشاط الثغري ضد الروم حيث يرتبط باسمه فتح كبرى مدن جنوب إيطاليا وهي جنوة ، كما أوقع رجاله بسكان جزيرة سردينية ، وأحرقوا مراكبهم ومراكب كورسيكه وعادوا ظافرين . وفي ظل اضطراب أوضاع صقلية ، بسبب قسوة الولاة ، أو ضعفهم وانقسام سكانها ، إلى جنسيات مختلفة ، ونحل متعددة تهيأت الظروف المناسبة لظهور قوى سياسية جديدة ، وانبعث النشاط في جانب الروم الذي استنجد بهم ثوار جرجنتي من قبل . وقد انضاف إلى ذلك ، الفراغ السياسي الهائل الذي تركه خليل بن إسحاق بعد انسحابه سنة 329 هلأن عطافا الأزدي بعده ، عجز عن كبح جماح الأسر الاقطاعية ، والزعامات المحلية ، التي عطلت نفوذه ، كما أن سكان قلورية استغلالا لهذه الظروف ، أوقفوا أموال الهدنة التي قررت عليهم من قبل . وبدأ جانب المسلمين أثناء هذه الفترة ضعيفا ، لأن الغزو الثغري توقف ، وانشغل السكان بالفتن وبتأييد الزعامات المحلية التي اشتهر من بينها : أسرة بني الطبري ، وبني ماضوض ، وبني أخيه ، والذين لم يكتفوا بالتحجير على عطاف الأزدي واغتصاب سلطاته بل ثاروا ضده وألجاوه إلى قلعة الخالصة واستولوا على ذخائره وأموال الولاية ، وبقي حتى عزله المنصور وعين على الجزيرة واليا عربيا ، هو الحسن بن علي بن أبي الحسين الكلبي ابتداء من سنة 336 ه / 947 - 948 م مكافاة له على إخلاصه للدولة ودوره في إنهاء ثورة أبي يزيد وهو الذي أصبح رأس أسرة عربية جديدة في صقلية هي أسرة الكلبيين . وبمهارته وإخلاص جند كتامة له ، تمكن من فرض سلطانه على سكان الجزيرة ، فامنهم من الأخطار الخارجية واستأنف سكان قلورية إرسال أموال الجزية إليه كما تتبع عناصر الشغب وزعماء الفتنة ، وشرد كثيرا منهم ، وقتل آخرين ، بعد أن استرجع منهم ما أخذوه من أموال ، في عهد سلفه عطاف الأزدي . ( 2 ) ، العزيزي : المصدر السابق 71 - 72 وضمن وصية المنصور للحسن استعمال الصرامة والشدة لاسترجاع هيبة الدولة لأنه « في بلد قد أسكرت أهله النعمة وأبطرهم الإحسان ، واعتاذوا مع خليل أشياء لا يخرجها من رؤوسهم إلا السيوف » ، ابن الأثير : الكامل ، 8 ، 169 - 170 ( 471 ط . بيروت ، ريزيتانو ، 54 ، أبو الفداء 2 ، 101 - 102 . وبعد أن اطمان على الوضع الداخلي استأنف النشاط الثغري في جنوب إيطاليا الذي أسفر عن عدة نتائج هامة في مقدمتها :
--> ( 1 ) اسم لجنوب إيطاليا ابتداء من نابلي حتى أقصى الساحل الجنوبي . ( 2 ) أماري : المصدر السابق 257 - 258 ( نقلا عن ابن الأثير ) ، ابن خلدون : العبر ، 4 ، 443 وما بعدها ، عبد المنعم ماجد : العلاقات ، 108 ، المدني : 142 - 143